أحمد بن محمود السيواسي
337
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
كتاب وإصلاح بين الناس أو من سنة شر كزنا وسرقة وقتل نفس بغير حق ، فاقتدى بهم من بعدهم ولهم مثل أجورهم أو عليهم مثل أوزارهم ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سن سنة حسنة يعمل بها من بعده كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا » « 1 » الحديث ، وقيل : الآثار خطأهم إلى المساجد « 2 » ، روي : « أنه ما خطا عبد خطوة إلا كتبت له بها حسنة أو سيئة » « 3 » ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ ) أي حفظناه ( فِي إِمامٍ مُبِينٍ ) [ 12 ] أي في اللوح المحفوظ . [ سورة يس ( 36 ) : آية 13 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ( 13 ) ( وَاضْرِبْ لَهُمْ ) أي بين ( مَثَلًا ) أي شبها للمشركين ( أَصْحابَ الْقَرْيَةِ ) أي مثل أصحاب القرية وهي أنطاكية ، و « إذ » بدل من « أحصاب » و « إذ » الثانية بدل من الأولى في قوله ( إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ) [ 13 ] وهم رسل عيسى عليه السّلام . [ سورة يس ( 36 ) : آية 14 ] إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ( 14 ) ( إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ) أي إلى أنطاكية ليدعوهم إلى الإسلام وهما ثومان وبالوس ، فلما قربا منها رأيا شيخا وهو حبيب النجار فأخبراه خبرهما ، وكان يرعى غنما له فقال : هل من آية لكما ؟ فقالا : نبرئ الأكمه والأبرص والمريض ، وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فقام صحيحا فآمن حبيب ، فبلغ الخبر إلى ملك أنطاكية فدعاهما فقال لهما : لم جئتما ؟ قالا : ندعوك إلى عبادة الرحمن فقال : ألنا رب غير آلهتنا ؟ قالا : نعم هو من أوجدك وآلهتك فمن آمن به دخل الجنة وأمن من العذاب ومن لم يؤمن به ومات دخل النار وعذب فيها أبدا فقال : قوما حتى انظر في أمركما فذهبا عنه فتبعهما الناس « 4 » ( فَكَذَّبُوهُما ) فضربوهما وحبسوهما ( فَعَزَّزْنا ) بالتخفيف ، أي غلبنا أهل أنطاكية ، وبالتشديد « 5 » بمعنى قوينا المرسلين ( بِثالِثٍ ) أي برسول ثالث وإنما ترك ذكر المفعول به ، لأن الغرض ذكر المعزز به وهو شمعون بعثه عيسى عليه السّلام بعد بعث الرسولين تقوية لهما ، فدخل منكرا وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ، وكان يدخل معهم إلى الصنم فيصلي ويتضرع مثلهم ويحسبون أنه منهم ورفعوا خبره إلى الملك فآنس به ، فقال له شمعون : بلغني أنك حبست رجلين يدعوانك إلى إله غير إلهك فهل لك أن تدعوهما فأسمع كلامهما وأخاصمهما عنك فدعاهما وأقيما بين يدي الملك ، فقال شمعون : من أرسلكما ؟ قالا : اللّه الذي خلق كل شيء وليس له شريك ، قال : ما آيتكما ؟ قالا : ما يتمنى الملك فدعا بغلام ولد أعمى فدعوا اللّه تعالى فأبصر الأعمى ، فقال له شمعون : أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله شرف ، قال : ليس لي عنك سر أن إلهنا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ، ثم قال شمعون لهما : إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فحيى وقام فقال : فتحت أبواب السماء فرأيت شابا أحسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة فقال الملك : من هم ؟ قال : شمعون وهذان فتعجب الملك ، فلما رأى شمعون أن قول الغلام أثر فيه نصحه فآمن وآمن معه قوم من أصحاب ، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبرائيل عليه السّلام صيحة فهلكوا « 6 » ( فَقالُوا ) أي رسل عيسى عليه السّلام بعد تقويتهم الثالث ( إِنَّا إِلَيْكُمْ ) يا أهل أنطاكية ( مُرْسَلُونَ ) [ 14 ] من اللّه فآمنوا به .
--> ( 1 ) رواه أحمد بن حنبل ، 4 / 361 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 534 . ( 2 ) ذكر مجاهد نحوه ، انظر السمرقندي ، 3 / 95 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 534 ؛ والكشاف ، 5 / 91 . ( 3 ) عن مسروق ، انظر السمرقندي ، 3 / 95 . ( 4 ) اختصره من البغوي ، 4 / 535 . ( 5 ) « فعززنا » : قرأ شعبة بتخفيف الزاي الأولى ، والباقون بتشديدها . البدور الزاهرة ، 265 . ( 6 ) نقله عن الكشاف ، 5 / 91 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 536 .